المقريزي
64
المقفى الكبير
فلم يزل معتقلا إلى نصف شعبان سنة اثنتين وسبعين ، فأفرج عنه ولزم بيته يدرّس ويفتي ويروي الحديث . وهو أوّل من درّس درس الحنابلة بالمدرسة الصالحيّة . وكانت وفاته بالقاهرة يوم السبت الثاني والعشرين من المحرّم سنة ستّ وسبعين وستّمائة . ودفن من الغد بالقرافة الصغرى . قال الحافظ عبد الكريم « 1 » : وهو من بيت العلم والزهادة عارف بالمذهب ، وكان كريم النفس حسن الصورة والأخلاق كثير الصمت جليل القدر . وقال جامع مناقبه وأخباره « 2 » : كان أكرم أهل زمانه وأحسنهم أخلاقا وأبهاهم صورة ، صاحب أحوال وأقوال ومكاشفات ، ومن عظماء مشايخ مصر وأجلّاء العارفين ، صاحب كرامات وسرائر وإشارات . قال يوما في درسه : واللّه ما يقدر أحد على وجه الأرض يقطعني في مسألة . وقال مرّة : أنا أعلم أصحاب أحمد - يعني : في وقته . وقال مرّة : أقدر أضع مائة مريد في مائة بيت ، وأربّي كلّ واحد منهم بلون غير ما أربّي به الآخر . واجتمع في رحلته إلى العراق بأكابر من أهل طريق اللّه . وكان متواضعا . قال بعض أصحابه : لازمته مدّة سنين فما رأيته ليلة قال لأحد من أصحابه : أصلح السراج ! - وإنّما كان يقوم [ 52 أ ] بنفسه ويصلحه . وتلوّث حصير بيته بطين ، فقام وغسله ومنع غيره أن يغسله معه . وأقام بديار مصر ما ينيف على ثلاثين سنة ما مكّن أحدا أن يقبّل يده . وما راح إلى خانقاه سعيد السعداء وهو قاضي القضاة راكبا قطّ . ونزل مرّة من دار العدل بقلعة الجبل فلم يجد بغلته فركب حمارا وأردف بعض طلبته وشقّ القاهرة . وما أكل وحده أبدا بل يجمع طلبته ويتعشّى معهم بما تيسّر . وسقط المطر مرّة وعنده جماعة كثيرة ، فقام وشدّ وسطه وشمّر أكمامه ورفع مداسات الجماعة من المطر ، ثمّ جلس . وبعث إليه الأمير جمال الدين آيدغدي العزيزيّ مبلغ خمسمائة دينار مصريّة ، ففرّقها كلّها على الفقهاء والفقراء حتّى لم يبق منها شيء ، وقال : كنت أودّ لو أصرفت منها خفائف « 3 » فرّقتها على أولادي الصغار . ولكنّ هذا أحبّ إليّ ، ولم يتلوّث « 4 » منها بشيء . وكان يقوم بنفسه في خدمة الفقهاء والفقراء وقت غدائهم وعشائهم . وذكر [ له ] عدّة مناقب لا يقبل أكثرها كلّ أحد . وكان الصاحب بهاء الدين ابن حنّا يغري به الملك الظاهر . والجمّاعيليّ : نسبة إلى جمّاعيل بضمّ الجيم وتشديد الميم ثمّ ألف وعين مهملة بعدها ياء آخر الحروف ثمّ لام : قرية من قرى نابلس ولد بها أبوه . 1651 - أبو عبد اللّه القيجاطيّ [ - 643 ] « 5 » [ 50 أ ] محمد بن إبراهيم بن عبد الملك ، أبو عبد اللّه ، الأزديّ ، القارحيّ ، الأندلسيّ ، المقرئ ، من أهل قيجاطة « 6 » .
--> ( 1 ) القطب الحلبيّ ( ت 736 ) عبد الكريم بن عبد النور ، أبو عليّ الحافظ : الزركلي 4 / 177 . ( 2 ) لا نعرفه . ( 3 ) لم نعرف الخفائف ولعلّها الأحذية ( جمع خف غير قياسيّ ) . ( 4 ) هكذا في المخطوط ، ولعلّها تعني : لم يدنس يده بشيء منها . ( 5 ) غاية النهاية 2 / 45 ( 2675 ) . ( 6 ) قيجاطة من أعمال جيّان ( نفح 4 / 15 هامش 1 ) . وهذه الترجمة سبقت برقم 1649 ص 62 بعنوان ابن القرشيّة البجانيّ .